محمد متولي الشعراوي

2959

تفسير الشعراوى

إذن فقد أخرجنا من كلام في نظام الأسرة إلى الصلاة ، ثم عاد بنا مرة أخرى إلى نظام الأسرة حتى تتداخل كل الأمور لتكون عبادة متماسكة متحدة فلا تقول : « هذه عبادة وتلك ليست عبادة » ، وأيضا ؛ لأن الكلام في الصلاة وسط كلامه عن أمور الأسرة ينبهنا : إذا ذهبت إلى الصلاة فربما هدّأت الصلاة من شرة غضبك وحماسك ونزلت عليك سكينة تعينك ألا تنسى الفضل بينك وبين زوجك . في هذه السورة - سورة المائدة - صنع الحق معنا مثلما صنع في سورة البقرة ؛ فبعد أن تكلم في أشياء وقص علينا أمر النعمة ، ها هو ذا يدخل بنا إلى رحاب المنعم ، إلا إنه سبحانه لم يدخلنا على المنعم إلا بتهيئة طهورية . طهارة أبعاض ؛ كالوضوء بأن نغسل الوجه ونغسل اليدين إلى المرفقين ونمسح على الرأس ونغسل الرجلين إلى الكعبين . وأحكم في أشياء وترك للاجتهاد مدخلا في أشياء ، أحكمها في ثلاثة ؛ غسل الوجه ، وغسل اليدين إلى المرفقين ، وغسل الرجلين إلى الكعبين ، لكنه حينما تكلم عن الرؤوس لم يقل : « امسحوا رءوسكم » ولا : « امسحوا ربع رءوسكم » ، ولا « امسحوا بعض رءوسكم » مما يدل على أن للمجتهد أن يفهم في « الباء » ما تتيحه اللغة من « الباء » . إذن أعطانا الحق أشياء محكمة وأشياء للاجتهاد . وبعد طهارة الأبعاض يذكرنا بطهارة البدن من الجنابة . ونلتفت إلى الكلام الذي تقدم حيث أورد الحق فيه ما أحل لنا من بهيمة الأنعام من طعام وشراب ، ثم تكلم في النكاح حتى أنه وسع لنا دائرة الاستمتاع ودائرة الإنسال بأن أباح لنا أن نتزوج الكتابيات ، وفي هذا توسيع لرقعة الزواج فلم يقصر الزواج على المسلمات . ولما كان الطعام الذي أحله اللّه ينشأ عنه ما يخرج منا من بول وغائط ، والنكاح الذي أحله اللّه يغير كيماوية الجسد ؛ لذلك جعل اللّه الوضوء لشئ ، والجنابة لها شئ آخر ؛ فعن الطعام ينشأ الأخبثان ، وعن الجماع أو خروج المنى ينشأ الحدث الأكبر ؛ فكان ولا بد بعد أن يتكلم عن طهارة الأبعاض في الحدث الأصغر أن يتكلم عن التطهير الكلى في الحدث الأكبر ؛ فقال : « وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا » . اللّه سبحانه وتعالى يريد لنا أن نستديم اتصالاتنا به ولم يشأ أن يجعل الوسيلة للصلاة بأمر الماء فقط ؛ لأننا قد نفقد الماء وقد يوجد الماء ولا نقدر على استعماله ؛